قول الحق

 

قول الحق، هي خصلة وصل بها الفضل إلى أن سماها رسول الله الأكرم (ص) أفضل الجهاد، فعنه (ص): «ألا لا يمنعنّ رجلاً مهابة الناس أن يتكلم بالحق إذا علمه. ألا إنّ أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر

»

(1).

فكلمة الحق جهاد بحد ذاتها، وهي صفة تتأتى من خلال قوة القلب والشجاعة، والقناعة التامة واليقين بأحقيتها، فحينها لا يهاب أي شيء من مخلوقات الله تعالى، لا من سلطان ولا جيش ولا حبل مشنقة ولا أي شيء، فما دام أنه على الحق، حينها لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه، وكنموذج أرقى لكلمة حق في وجه سلطانٍ جائر نتعرض لما جرى بين أبي الفضل العباس (ع) وإخوته وبين الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله، حيث كانت الموازين العسكرية مالت لجيش الشمر، وكانت الأمور المنطقية تقضي أن يكون المنتصر عسكرياً في المعركة جيش عمر ابن سعد، حينها جاء «الشمر حتى وقف على أصحاب الحسين (ع) فقال: أين بنو أختنا؟ فخرج إليه العباس وجعفر وعثمان بنو علي بن أبي طالب عليه وعليهم السلام فقالوا: ما تريد؟ فقال: أنتم يا بني أختي آمنون، فقالت له الفتية: لعنك الله ولعن أمانك، أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له؟

(2).

ومن المواقف التي ينقلها لنا التاريخ موقف مسلم بن عقيل مع ابن زياد، حيث تقول الرواية: أدخل مسلم بن عقيل رحمه الله تعالى على ابن زياد، وقد ضرب على فمه، فقال: يا بن عقيل أتيت لتشتيت الكلمة؟ فقال: ما لذلك أتيت، ولكن أهل المصر كتبوا أن أباك سفك دماءهم وانتهك أعراضهم فجئنا لنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر

.

فقال: وما أنت وذاك، وجرى بينهما كلام حتى قال له: قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام

.

فقال له مسلم: أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ما لم يكن فيه من سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السريرة ولؤم الغلبة

(3).

ومن فضل قول الحق ما ورد في الحديث عن الرسول الأكرم (ص): «ما من صدقة أحب الى الله عز وجل من قول الحق

»

(4).

وأكثر ما في ذلك من الأجر ما يكون فيه قول الحق خلافاً لما يناسب حال القائل، كأن يتعرض للاضطهاد ويقال فيه، فكلما كان قول الحق أثقل على الإنسان المؤمن كلما كان الأجر والثواب في قوله أجزل من الله تعالى، فقد ورد عن الإمام علي (ع): «أقرب العباد إلى الله تعالى أقولهم للحقّ وإن كان عليه، وأعملهم بالحقّ وإن كان فيه كرهه

»

(5).

بئر لا قرار لها

مثل يقال لمن يكتم السر، فيشبه نفسه ببئر لا يعرف قعرها، وفي الحديث عن أمير المؤمنين (ع): «صدر العاقل صندوق سرّه

»

(6).

يعتبر صون الأسرار من الصفات التي ينبغي للمؤمن أن يتحلى بها، امَّا كتمان السر في الجهاد، فهو صفة أخلاقية أساسيَّة لا بد من وجودها في المجاهد في سبيل الله تعالى

.

وكما أن لكتمان السر فضلاً كبيراً، فإن لفضح السر مفسدة كبرى في دين الإنسان ودنياه أيضاً، وأما في الجهاد فإفشاء السر الجهادي من أخطر الأمور على العمل العسكري وقد يؤدي لخسارة أنفسٍ وسفك دماء، وقد أكدت الروايات وشددت على أن يكون السر مصاناً بأقسى درجات الصون فشبَّهت بعض الروايات السر بدم المرء الذي لا يجري إلا من الشريان، وما ذلك إلا تنبيها لخطورة الإفشاء، فعن الإمام الصادق (ع): «سّرك من دمك فلا يجرينّ من غير أوداجك

»

(7).

كما أن لافتضاح السر أثراً مدمراً على العمل العسكري الذي يقوم به المجاهدون، لهذا فالكتمان من أهم أسباب نجاح أي عمل عسكري وأي مهمة جهادية، فعن الإمام الجواد (ع): «إظهار الشّيء قبل أن يستحكم مفسدة له

»

(8).

وعن أمير المؤمنين (ع): «أنجح الأمور ما أحاط به الكتمان

»

(9).

الإباء

الإباء صفة أخلاقية تعني أن يكون الإنسان عزيز النفس، ولا يبذل منعتها في مقابل أمور تافهة، والإباء غير التكبر، فالتكبر هو أن يمارس الإنسان الترفع على الآخرين ظناً منه بأنه أرفع منهم مقاماً ونفساً، أما الإباء فهو فرع القناعة وغنى النفس عن الحاجة للآخرين، وقد أكدت الكثير من روايات أهل العصمة عليهم السلام على الكثير من الأعمال التي تعزز صفة الإباء في نفس الإنسان، منها عدم تواضعه للأغنياء طمعاً بالمال، فعن الرسول الأكرم (ص): «من أتى ذا ميسرة فتخشّع له طلب ما في يديه، ذهب ثلث دينه. - ثم قال: ولا تعجل، وليس يكون الرّجل ينال من الرجل المرفق فيجله ويوقّره فقد يجب ذلك له عليه، ولكن تراه أنه يريد بتخشعه ما عند الله، أو يريد أن يختله عما في يديه

»

(10).

وفي رواية عن أمير المؤمنين (ع): «ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلباً لما عند الله! وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء اتّكالاً على الله

»

(11).

وأما في المجاهد، فإن الإباء صفة ملازمة للجهاد، ولولا الإباء الذي فيه ما دفعته نفسه لرفض الهوان، والنهوض لمقارعة المحتل وجهاده، فإباء النفس للإذلال والانتهاك وسيطرة الآخرين على ما يخصها، ويعنيها، هي من المحفزات التي تدفع الإنسان وتوقظه من سباته، مردداً قول الله تعالى

:

{

الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}

(12). فصار على أهبة الاستعداد لبذل الغالي والنفيس في سبيل العزة والكرامة.

وصار مصداقا للآية الكريمة

:

{...

فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}

(13).

هل تخاف غير الله؟

كثيراً ما يكون أهل الجهاد في دروب طويلة قل سالكوها، وكثر بها المتربصون، لكن هل يعني هذا كله أن ينثني عزم أهل الجهاد وأهل الحق

.

طالما أنّك على الحق، فلا تبالي، ألم تعلمنا كربلاء، وسيرة أهل البيت (ع) ذلك؟

وقد نبهنا أمير المؤمنين (ع) حينما قال: «... أيها الناس! لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله، فإنّ الناس اجتمعوا على مائدة شبعها قصير، وجوعها طويل

»

(14).

فهذا الخوف الأول، وأما الخوف الآخر من لوم اللائمين، وتثبيط المرجفين، ومن يحمل عقيدة الانهزام قبل بدء المعركة، فهذا ما ينبغي للمجاهد أن لا يعبأ به، بل لا يقيم له أي وزن، فما أكثر المتخلفين عن الجهاد، والذين لا يكتفون بتخلفهم عن أداء وظيفتهم تجاه الأمة، بل يعملون على تحطيم المعنويات في قلوب الآخرين، وقد نبهتنا الروايات إلى عدم المبالاة بلومهم، كما ورد في الخصال عن أبي ذر، قال: «أوصاني رسول الله (ص) أن لا أخاف في الله لومة لائم

»

(15).

وعن الإمام الهادي (ع): «من أطاع الخالق لم يبال بسخط المخلوق

»

(16).

ومن أجمل ما في هذه الروايات ما ورد من وصية أمامنا السجاد زين العابدين (ع) وقد كتب إليه رجل من أهل الكوفة يستخيره عن خير الدنيا والآخرة، فكتب (ع): «بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فإنَّ من طلب رضى الله بسخط النّاس كفاه الله أمور النّاس، ومن طلب رضى النّاس بسخط الله وكله الله إلى النّاس، والسلام

»

(17).

وأخيراً كلمة رويت عن رسول الله الأكرم (ص): «طوبى لمن شغله خوف الله عن خوف الناس

»

(18).

فحينما يضع الإنسان رضى الله بين عينه، ولا يرى في الحياة هدفاً آخر يستحق الالتفات إليه، فحينها سيصل لمقام من لا يخشى في الله لومة لائم، وحينها لو اجتمع العالم بأسره ليلومه، وليقول له أنت إرهابي، وأنت... وأنت...، لن يلتفت إليهم، وسيبقى ما بين عينيه أمرٌ واحد فقط، وفقط، وهو التكليف الشرعي الملقى على عاتقه، وهو الموصل إلى الله تعالى

.

 

خلاصة الدرس

قول الحق، هي خصلة وصل بها الفضل إلى أن سماها رسول الله الأكرم (ص) أفضل الجهاد

.

يعتبر صون الأسرار من الصفات التي ينبغي للمؤمن أن يتحلى بها، أمَّا كتمان السر في الجهاد، فهو صفة أخلاقية أساسيَّة لا بد من وجودها في المجاهد في سبيل الله تعالى

.

فإن لفضح السر مفسدة كبرى في دين الإنسان ودنياه أيضاً، وأما في الجهاد فإفشاء السر الجهادي من أخطر الأمور على العمل العسكري وقد يؤدي لذهاب أنفسٍ بريئة، وقد أكدت الروايات وشددت على أن يكون السر مصاناً بأقسى درجات الصون

.

الإباء صفة أخلاقية تعني أن يكون الإنسان عزيز النفس، ولا يبذل منعتها في مقابل أمور تافهة، وهو غير التكبر، فالتكبر هو أن يمارس الإنسان الترفع على الآخرين ظناً منه بأنه أرفع منهم مقاماً ونفساً، أما الإباء فهو فرع القناعة وغنى النفس عن الحاجة للآخرين، وقد أكدت الكثير من روايات أهل العصمة عليهم السلام على الكثير من الأعمال التي تعزز صفة الإباء في نفس الإنسان

.

كثيراً ما يكون أهل الجهاد في دروب طويلة قلّ سالكوها، وكثر بها المتربصون، والمحاربون من أهل الجلدة، لكن هذا كله لا ينبغي أن يثني عزم أهل الجهاد وأهل الحق عن أداء التكليف الشرعي

.

(1) comments


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية